آه نحن الحمير ...فنحن -معشر الحمير – كان لنا مثلكم يا بني البشر لغة نتحدث بها .
كانت لغتنا الخاصة وشعرنا وأدبنا الجميلان الغنيان .
كانت لنا في الماضي السعيد أغانينا الجميلة وأيضا لنا أناشيدنا الحماسية ,
لم نكن ننهق في الماضي كما الان حيث نحن اليوم والكل يعلم أن الحال الان نعبر عن أحاسيسنا ورغباتنا وآلامنا وأفراحنا سوى كلمتين يتيمتين هما {{ها .........هو ... }}
نعم بكل أسف لم يبق لنا من لغتنا الجميلة سوى هاتين الكلمتين .
ألا ينتابكم الفضول لمعرفة كيف ماتت لغتنا الجميلة الغنية ولم يبقى منها سوى كلمتين هما {{ها .........هو ... }}
باختصار لساننا قد انعقد ,حادثة مخيفة وقعت لنا أطارت لنا صوابنا وأرعبتنا ,فقعدت ألسنتنا وأنستنا لغتنا الجميلة . ومنذ ذلك اليوم لم نعد نتذكر سوى هاتين الكلمتين {{ها .........هو ... }}
عقدة اللسان هذه لها حادثة قديمة جدا ومن مئات السنين يوم كان جدنا الحمار الأكبر يرعى في إحدى المراعي في سهولنا مطمئنا ويغني بحماس .اشتم رائحة غريبة ولم تكن رائحة جميلة كانت رائحة ذئب...
رفع جدنا أنفه الى أعلى وتنشق بعمق .رائحة الذئب القوية..قال جدنا مخاطبا نفسه ومواسيا :
-هذه ليست رائحة ذئب ....
لكن رائحة الذئب ازدادت زخما .كان واضحا أن الذئب بدأ يقترب ..واقتراب الذئب من أراضينا معناه أن الموت بدأ يحوم في المكان ولا مفر منه .
جدنا حاول أن يقنع نفسه أنه لا ذئب في المكان وقال مواسيا نفسه :
-أرجو من الله أن لا يكون ذئبا .........وإن كان حقا موجود .فكيف سيجدني ؟وأين ؟وكيف ؟؟؟؟؟؟
استمر جدنا يواسي نفسه حتى سمع صوتا لم يكن جميلا..بل كان صوت الذئب !!
انتصبت أذنا جدنا الحمار الأكبر عاليا واسترق السمع وأرهف له الحس جيدا .
نعم إنه صوت الذئب ....
ولكن بقلبه هو لم يكن راضيا عن مجيء الذئب ليفسد عليه هناءه وصفاء يومه ,
-كلا لا أعتقد أنه صوت ذئب ..ولابد أني أصبحت لا أسمع جيدا
واستمر جدنا في التهام الأعشاب .. وغير مبال بالخطر من حوله .
ازداد الصوت وضوحا وقربا ولم يزل جدنا يواسي نفسه ويخادعها .:
-ليس ذئبا ..نعم إنه ليس ذئبا وهذا ليس بصوت ذئب .
ازداد الصوت اقترابا ووضوحا وكان صوتا مخيفا جدا ...وظل جدنا الجمار على عناده
-كلا .كلا ..انه ليس هناك ذئاب في المنطقة .
ثم رفع رأسه ونظر حوله فرأى على قمة الجبل ذئبا قد بدا له وسط الضباب ........شعر الحمار برعشة الخوف تنتاب أوصاله
- لا ....لا لا أعتقد أن ما أراه ذئبا لا لابد انه شيء أخر أو أي نوع من الدواب
وأدخل جدنا رأسه بين الأعشاب مكملا :
-أعتقد أن ما أراه مجرد سراب .. بل هو بالتأكيد سراب ليس إلا ......
وبعد برهة من الزمن لمح ذئبا يعدو خلف الشجر , فازداد خوفه ولكنه استمر في خداع نفسه :
-نعم إنه ليس بذئب وإلا ما الذي يأتي بالذئاب إلى منطقتنا ؟ وأرجو من الله أن لا يكون ذئبا حقا .
ازداد اقتراب الذئب من الحمار ولم يبق منه سوى خطوات فقط
-العون يا ربي .أحقيقة أن القادم ذئبا ؟ كلا يجب أن لا يكون ذئب ...العون يا ربي أرجو ألا تجعله ذئبا .
ولما لم يبق من الذئب سوى خطوات أقل خاطب نفسه قائلا
-بمشيئة الله لن يكون ما أراه ذئبا .ولماذا يكون ذئبا ؟ قد يكون جملا أو تيسا أو أي شيء أخر...
أو ربما لم يكن شيئا على الإطلاق لقد بدأت لا أرى جيدا وبدأت أخلط في التمييز بين الأشياء المختلفة ..وأرى أي شيء من حولي على هيئة ذئب ....
وعلى بعد خطوات أقل مما سبق بدا الذئب زاحفا نحوه..
-أعرف تماما ان القادم ليس بذئب ولكن من المستحسن ان ابتعد عنه قليلا
مشى جدنا وهو ينظر خلفه مرعوبا وبدا له فم الذئب مفتوحا ويسيل منه اللعاب وازدادت خطوات جدنا سرعةٌ وجريا قائلا مع نفسه
-كم أنا غبي فعلا ..أخاف من القطة وأهرب منها متوهما أنها ذئب !
اندفع جدنا يركض بكل قواه وهو ينظر خلفه ..رأى بريق عيني الذئب تتبعانه وأحس بنفس الذئب الساخن يلسع مؤخرته فواسى نفسه قائلا :
-إن هذا المخلوق الذي أحس بنفسه تلسع مؤخرتي ليس بذئب !!
وحين أحس الحمار بان انف الذئب الرطب يلامس مؤخرته ازداد فزعه ,واستدار خلفه ليرى الذئب وهو يتأهب للوثوب عليه ..فخارت قواه وسقط على الأرض من شدة الخوف ..وأغمض عينيه كي لا يرى الذئب وتأتأ قائلا :
-بمشيئة الله لن يكون ذئبا .
أحس جدنا بمخالب الذئب تنغرز في فخذه فصاح قائلا :
-أعلم جيدا انك لست بذئب .. وأنا لا أحب المزاح ..فدعني وشأني ولا تدغدغني
قام الذئب الجائع بأن أغرز كل أنيابه تنهش في جسد جدنا , وبدأت الدماء تسيل منه بغزارة , وانعقد لسانه من شدة الخوف والفزع وأخيرا تمكن أن يتلفظ كلمات قليلة مبهمة ربما هي :
-ها .......هو.......ذئب.......ها .......هو.......
وبينما الذئب ينهش ويقطع في جسد جدنا .استمر يصرخ بأنين وهستريا وبلا وعي ربما وكاد صوته الحاد أن يخترق آفاق الزمان والمكان وكانت كلماته هي :
ها ...........هو.........ها .........هو.......
ومنذ ذلك اليوم وعلى اثر شدة حزننا وخوفنا ومصابنا الجلل الذي حل بجدنا وفقده القدرة على النطق ورثنا نحن عنه هذه العادة ونسينا لغتنا الجميلة .. وأخذنا إلى اليوم نردد مثل جدنا صائحين :
- ها ...........هو.........ها .........هو
لو لم يحاول جدنا خداع نفسه حين شعر بالخطر من حوله لما سقط في براثن الذئب .....ولدامت لنا لغتنا الجميلة !!!!!!!!!!!!